Wednesday, November 2, 2005

اوهام ثورية وانفصام حاد في الشخصي

باسم شيت - سبتمبر 2005

التاريخ يعيد نفسه

هذا العام، كانت "ثورة الأرز" أبرز ما جرى على الساحة اللبنانية. ولكي نتعمّق أكثر في تأثيراتها، يمكننا أن ننظر إلى الوضع التاريخي للمنطقة وللبنان، وتأثّرهما بالتطور العالمي الذي كانت من علاماته الفارقة، في أواخر القرن التاسع عشر، نهاية النظام الإقطاعي في الدول الصناعية الكبرى وانتقال الأخيرة إلى النظام الرأسمالي. هذا الانتقال لم يحدث فجأة، بل ارتكز على مراحل وتغيّرات تاريخية أساسية، منها نشوء البيروقراطية، ونشوء الطبقة الوسطى المرتبطة مباشرة بتطور العلاقات التجارية، والحاجة إلى إنتاجية أكبر في الصناعات، والتحول إلى أنماط إنتاج صناعية مدنية وغير زراعية.

لم يكن هذا التطوّر سَلِساً، بل كان مليئاً بالتناقضات والصراعات التي أنتجت ثورات عدة وحروب أهلية. لكن، في دول العالم الثالث، وحتى الثاني، تم القفز عن مراحل تاريخية أساسية في تطوّر النظم الاقتصادية والاجتماعية. السبب المباشر كان الاستعمار الذي فرض نمط إنتاج رأسمالي على دول كانت تعيش ضمن نظم إقطاعية أو قبلية. أصبح المزارع عاملاً، دون أن يمر بالمراحل التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تمكّنه من ذلك التحول، مثل تطوّر الصناعة والتجارة وتحوّل القرى إلى مدن.

بين 1790 و1860، قام المزارعون في جبل لبنان بـ7 ثورات وإضرابات كبيرة ضد الإقطاع واستطاعوا أن يستحصلوا على ملكية جزئية لأراضيهم. في القرن التاسع عشر، تطوّرت الرأسمالية في لبنان على خطى الرأسمالية الفرنسية. بورصة مرسيليا تم تأسيسها لتموّل صناعة الحرير، وكانت تعتمد بشكل كبير على المصانع في جبل لبنان إلى أن انتقلت الصناعة إلى شرق آسيا. وأدّى دخول الرأسمال الصناعي الأوروبي إلى اصطدامه مع العلاقات الاجتماعية والثقافية السائدة، مما دفع الكثير من المزارعين باتجاه أطر عمل صناعية.

مع الازدياد السكاني، أصبح امتلاك المزارع للأرض أصعب فأصعب، كما أن صار دخوله المصنع يهدد مكانته الاجتماعية كمالك لأرض، ففر ثلث المزارعين في الجبل بين 1880 و1910، خاصة الذكور. بقيت النساء للعمل في المصانع، وشهدت الفترة تلك ولادة حركة عمّالية نسائية منظّمة استطاعت القيام بالكثير من التحرّكات وتحقيق عدد من المكاسب، خاصّة لجهة زيادة الأجور والاستقلالية الاجتماعية.

صفة أساسية للعالم ككل هو انعدام التوازن في التطور التاريخي. هذا يظهر واضحاً في "الدول النامية". وتحت الضغوط الاقتصادية العالمية الناتجة من سياسات الدول الرأسمالية الكبرى، يُحَتِّم على الدول النامية تلك اللحاق بالأنماط الموجودة في الدول الرأسمالية، دون المرور بنفس المراحل التي مرّت بها تلك الدول الرأسمالية، والقفز عن مراحل تاريخية أساسية. هذا القفز تحدده الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية المتوفّرة. فالدول النامية تأخذ ما تنتجه الدول المتقدّمة وتحاول تحقيقه ضمن الظروف المحليّة، فتصطدم بالشروط الماديّة والاقتصادية الفعلية.

عملية أخرى تواكب هذا التطور غير المتوازي؛ إن مجموع هذه المراحل الفوضوية هو المسار التاريخي المادّي لبلد مثل كلبنان. لقد تمّ الانتقال فعلاً، ومنذ أكثر من قرن.

ثورات وهمية

انتهى النظام الإقطاعي في لبنان في ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكن الكثير من رموزه تمكّنت من النفاذ إلى المرحلة الرأسمالية، مثل الكنيسة ومنظومة الطوائف والوراثة السياسية العائلية. لكن ذلك لا يعني أنها قوى إقطاعية تدافع عن تنظيم إقطاعي للمجتمع. هذه الحالة ليست فريدة؛ في بريطانيا، مثلاً، يعود النظام القضائي والاقتصادي والنيابي إلى القرن السابع عشر. في أوروبا بشكل عام، تمكّن النظام الرأسمالي الجديد التخلّص من النمط الإقطاعي في التنظيم الاجتماعي بعد صراع مضني. وذلك كان مطلب الطبقة العاملة وليس الوسطى، لكن التحالف بينهما في ذلك الحين أدى إلى اللغط السائد حول دور البورجوازية في التحرر الاجتماعي. يمكننا أن نتذكّر أيضاً أن مطلب البورجوازية الأساسي لم يكن التحرر الاجتماعي والديمقراطية بمعناها الآن، بل كان تحرر رأس المال من قيد الملكية الواحدة (النظام الملكي)، ديمقراطية رأس المال.

الاعتقاد، عند بعض اليسار في لبنان، أننا بحاجة إلى ثورة طبقة وسطى كي ننتقل من "التخلف" إلى نظام رأسمالي هو خاطئ، لأننا أصلاً ضمن نظام رأسمالي، حتّى ولو لم نمر بالمراحل المعتادة. سياسة المراحل التي ورثها معظم اليسار في لبنان عن التجربة السوفيتية هي سياسة متناقضة مع الواقع المادي الاجتماعي الاقتصادي في لبنان.

منذ 1880، ما شهده لبنان لم يكن صراعاً بين قوى الإنتاج الرأسمالي والإقطاع، بل صراع داخل النظام الرأسمالي ذاته. طرفا الصراع اليوم أحدهما متأثّر بنمط رأسمالية الدولة، كنتيجة لتأثير الهيمنة السورية، والآخر متأثر بنظام التجارة الحرّة وفتح الأسواق، كنتيجة لهيمنة الولايات المتحدة وأوروبا. هذا التناقض موجود في الكثير من البلدان، حتى الدول المتطورة رأسمالياً منها. إنّه صراع دائم ما بين الرأسمال الاحتكاري أو رأسمالية الدولة، ورأسمال مبني على ديناميكية السوق.

هذا يفسّر أحد الانقسامات التي أصابت جماعة "14 آذار". جزء من الصراع ضد لحود والسلطة السورية سببه اختلاف على طبيعة النظام الاقتصادي، خاصّة وأن النموذج السوري، رأسمالية الدولة، لم يعد مقبولاً من قبل الرأسمالية العالمية. لكنّهم لا يتفقون فيما بينهم حول النظام الذي يريدون تطبيقه بدلاً من رأسمالية الدولة. جنبلاط والحريري/السنيورة وآخرون يريدون التجارة الحرّة وفتح الأسواق، فالخصخصة، مثلاً، بند أساسي من بنود البيان الوزاري.

في سعيها للتخلّص من نظام غير موجود أصلاً، أصبحت الطبقة الحاكمة عاجزة عن الاستجابة للصراع الفعلي. تماماً ما وقعت فيه الحركة الوطنية عندما وضعت نفسها في موقع قوّة ثورية تريد التخلص من الإقطاع، مع أن النمط الإقطاعي للإنتاج كان قد انتهى. فتحالفت مع فئة من الرأسماليين ضد فئات أخرى، وكان خيارها يتّجه نحو دولة رعاية بمواجهة خيار الرأسمالية الاحتكارية للمارونية السياسية.

من هو الخاسر الأكبر؟

وكما لا يمكننا الفصل بين المجرى التاريخي لمجتمع ما عن واقعه المادي المحلي، لا يمكننا أيضاً أن نفصله عن وضعه في السياق التاريخي العالمي. فالاستعمار والتقسيم الجغرافي ودخول رؤوس الأموال الأجنبية التي حتّمت القفز فوق المراحل المعتادة لتطور الرأسمال لا يعني أن النظام الرأسمالي في لبنان غير متطور.

أيديولوجيا اليسار التقليدي المعترف بتقليديته (الحزب الشيوعي) والمدعي التجدد (اليسار الديمقراطي) للطبقة العاملة تنظر نظرة سلفية إلى أوروبا أوائل القرن العشرين، متجاهلة أغلبية القوى العاملة، أي في القطاعات المصرفية والسياحية والإعلامية والإعلانية والمعلوماتية... فمنهم من تخلّى عن المفهوم لعدم قدرته على استيعاب التغيّرات التي طرأت على الطبقة العاملة وعدم استيعاب الطبيعة غير المتوازنة للتطور العالمي، وآخر ظلّ متشبثاً بتعريف مستورد للطبقة العاملة من الدول الصناعية.

اليسار في لبنان، الذي يريد تصحيح المسار التاريخي، يقفز هو أيضاً عن مراحل تاريخية أساسية. فهو يقفز مثلاً عن المراحل التي مرّت بها أوروبا التي جعلت اليسار فيها يستنتج أن الطبقة التي سوف تُحدث التغيير هي الطبقة العاملة الصناعية. لبنان لم يشهد هذا التطور، بل تم إلحاقه بالإنتاج الصناعي العالمي. وبسبب عدم قدرته أن يكون بلداً صناعياً، توجّه نحو القطاعات الحالية، "قطاع الخدمات"، حيث تعمل أغلبية الطبقة العاملة. المشكلة ليست في عدم وجود طبقة عاملة، بل في أنّها ليست في المصانع فقط.

الخاسر الأكبر في التحالف مع البرجوازية ووهم بناء الدولة هو الطبقة العاملة. الحرب الأهلية الأخيرة كانت مثالاً واضحاً، وفي نهاية الأمر، لم تكن سوى حرب الميليشيات على المدنيين والطبقة العاملة الذين كانوا هم المقاتلين والمقتولين والمخطوفين، بهدف حماية الطبقة ذاتها التي لم تتغيّر. ويتحمل اليسار والحركة الوطنية تبعات هذا الأمر بتوريط الطبقة العاملة في صراع لا يخدم مصالحه. كذلك "14 آذار"، لم يكن ما حدث ثورة طبقة تغييرية ضد طبقة "قديمة"، بل كان معركة، مهمة طبعاً، بين فئات داخل الطبقة الرأسمالية.

هم الرأسماليون ونحن العمّال. ليس هناك تقسيم آخر للوضع الطبقي في لبنان. لا نعيش في نظام إقطاعي، ولسنا بحاجة إلى ثورة طبقة وسطى. بل نحن بحاجة إلى توحيد الطبقة العاملة بكل أطيافها ضد الطبقة الحاكمة وعلينا أن نستفيد من تناقضاتها لتحقيق مكتسبات للطبقة العاملة. والتحالف مع أي من الجهات الموجودة في الطبقة الحاكمة سيرتدّ سلباً، خاصّة بعد أن رأينا تنام للجو الطائفي والعنصري لا تتردد الجهات الطائفية (الدينية والسياسية) في تغذيته.

الطبقة الحاكمة اليوم مؤلفة من أصحاب المال القديم وأصحاب المال الجديد، ويتم استثمار أغلبيته، من الجهتين، في قطاع الخدمات. بعض العائلات الحاكمة يعود تاريخها إلى العهد الإقطاعي، وآخرون قاموا ببناء ثرواتهم حديثاً، وجميعهم يتنافسون على ملكية احتكارية للخدمات، تتناقض هذه الفئة مع مصالح جديدة ومغايرة ينتجها النظام الرأسمالي العالمي وتسعى إلى تنظيم رأس المال على أساس السوق، الذي يختلف أيضاً عن مفهوم رأسمالية الدولة في سوريا. التناقض موجود بين تيارين اقتصاديين هما الأكبر في العالم، النظام الحمائي (protectionist) ومنظمة التجارة العالمية. لذا، فمن الشروط الأساسية للمنظمة هو التخلّص من سيطرة الدولة عن الاقتصاد وفتح الأسواق.

كان اغتيال الحريري عاملاً مسرّعاً للصراع، وقد استفاد منه الرأسماليون المناهضون لرأسمالية الدولة. شنت "المعارضة" هجوماً عنيفاً على الموالاة لتتخلص منها، وتم استثمار صراع داخل الطبقة الحاكمة في الشارع. وكانت المعارضة أمام خيارين، إما تجاهل النقمة على الوضع القائم أو تجييرها لصالحها، فتمكّنت من تجييرها.

عرض القوة الذي صنعه حزب الله في 8 آذار، لم يتناقض تماماً مع المعارضة. أراد الحزب الدخول بشكل قوي إلى الغرفة الداخلية للمفاوضات، فهو مستعد للانتقال إلى المعسكر النيوليبرالي، ما يفسّر تجنّبه الخوض في الحركة العمّالية ورفضه الوقوف ضد سياسات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. لكنه أراد دخول المعسكر مع "مكتسبات" تمكّنه من مواجهة الضغوط الدولية والداخلية، فتحالف مع المعارضة.

ماذا عن الديمقراطية؟

معظم من صنع مظاهرتي 8 و14 آذار ليس لديهم حق الانتخاب حتّى الآن. في الانتخابات الأخيرة، كانت أغلبية المواطنين صامتة، وما تزال، وهذا واضح في نسب المشاركة.

وبعد سلسلة التفجيرات التي يقوم بها الأشباح، على حدّ قول وزير الداخلية، واستكمال "الحرب على الأجهزة"، على غرار "الحرب على الإرهاب"، نسي مَن كان من المعارضة كل الكلام السابق عن الحريات العامة والفردية. الحريّة ستكون للسوق فقط؛ ونرى اليوم انتشار الجيش والدرك في كل مكان، بالإضافة إلى كاميرات المراقبة التي ستسجّل تحرّكات كلّ مواطن، ومراقبة خطوط الهاتف والرسائل الإلكترونية.

ما يريدونه حقاً هو التخلص من القيود على حركة السوق، فقط. نرى ذلك في الأرباح التي تجنيها "سوليدير" في الفترة الأخيرة. "عم نبيع بشكل جنوني"، حسب قول بعض الموظّفين فيها. ومشاريع الخصخصة تمر واحدة تلوى الأخرى ويتم التحضير للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية من دون أن تكون هناك إستراتيجية محددة حول دور المنظّمة ودور لبنان فيها.

الأغلبية الصامتة

من مصلحة الطبقات التي طالما عانت من وقع تلك التناقضات ونتائجها الدامية أن تتوحّد اليوم كي لا تصبح، مرة أخرى، وقوداً لحرب أهلية جديدة لن تدمّر سوى الفقراء والعمال والمهمّشين... إن نجاح مشروع 14 آذار، بأوجهه المتعددة، لن يؤدّي إلى الحد من استغلال العمال أو من البطالة والفقر. من أجل ذلك، لا يذكر أحد من إعتذاريي 8 و14 آذار المدنيين الذين قضي عليهم بسبب هذه التناقضات. يتم نسيانهم بالرغم من أنّهم يشكّلون أغلبية ضحايا الحرب، كما يشكّلون أغلبية ضحايا فترة السلم، إن كان في المواجهات بين القوى الأمنية والمتظاهرين أو في التفجيرات الأخيرة. هناك مصلحة مشتركة بين أغلبية اللبنانيين وهي غير مصلحة الفئات المتصارعة التي صنعت الحدثين.

العمّال والعاملات، من لبنان وسوريا وفلسطين ومصر والهند وسريلانكا والكثير غيرهم، هم الذين قاموا ببناء الطرق ووضع البنى التحتية وإشادة المباني، وهم الذين يمدّون خطوط الهاتف والكهرباء ويصنّعون ويوزّعون السلع ويخدمون زبائن المطاعم ويهتمّون بالمعاملات الإلكترونية والورقية ويدرّسون في المدارس. هم الذين قاموا بكل ذلك والكثير غيره، لا الحريري ولا أمراء الحرب والمافيات والشركات. فلماذا يزيدون فقراً بينما أقليّة تُتخم في مطاعم سوليدير.

نحن مَن عمّرها ونحن مَن يقرر، لقد فعلوا ما فيه الكفاية وحان الوقت لننتج عالماً أفضل، عالمنا نحن.

المراجع

Akram Fouad Khater - Inventing Home -Emigration, Gender, and the Middle Class in Lebanon, 1870-1920
اكرم فوءاد خاطر - اختراع الوطن - الهجرة، الجندر، والطبقى الوسطى في لبنان، 1870-1920
<http://ark.cdlib.org/ark:/13030/ft9d5nb66k ليون تروتسكي - تاريخ الثورة الروسية – الجزء الاول

No comments: