Thursday, May 11, 2006

واجهة الامبريالية

باسم شيت

منيت الولايات المتحدة الأميركية بفشل ذريع في مشروعها "لدمقرطة" الشرق الأوسط، أو بتعبير آخر لخلق سلطات ملحقة لها. ففي العراق، أنتجت الديمقراطية الأميركية فوضى طائفية عارمة وهاجمتها معظم القيادات السياسية في العراق كونها السبب الرئيسي وراء تلك الفوضى. والضربة الثانية كانت من فلسطين، حيث فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وذلك في انتخابات مدعومة من قبل البيت الأبيض.
تظن الإدارة الأميركية أن لبنان سيكون الورقة الرابحة لمشروعها، ففي اجتماع بين بوش ورئيس الوزراء السنيورة، قال بوش: "ليس لدي شك بأن لبنان يستطيع أن يكون نموذجاً لما هو ممكن في الشرق الأوسط الكبير(!)".
راهنت قوى 14 آذار في أولى مراحل ثورتها المبهمة، أنه مع توسع السيطرة الأميركية في الشرق الأوسط يمكنها الالتحاق في ذلك المشروع ودخول مساحة العالم "الحر" كما تحب أن تسميه الولايات المتحدة، وخاصة أنه ظهر واضحاً أن الإدارة الأميركية بدأت منذ العام الماضي إعطاء اهتمام زائد للبنان، كونه قد يمثّل المخرج الأفضل لها من أزمتها في مشروعها "الديمقراطي" في الشرق الأوسط.
لكن فشل المشروع الأميركي الديمقراطي ليس مرهوناً فقط بالوضع الفلسطيني والوضع العراقي أو حتى الوضع الأوكراني، حيث عادت وانهزمت الثورة البرتقالية في الانتخابات الأخيرة. تبدو ظواهر فشله في لبنان أيضاً. الديمقراطية الأميركية أولاً تعتمد على استغباء المطالب الشعبية للديمقراطية، وتتصور أنها لو اخترعت حالة عصيان مدني وتغيير سطحي فإنها ستخدع الناس بأنها أنشأت ديمقراطية فعلية، لكن هذا لم يحصل.
في أوكرانيا مثلاً، كان التغيير الديمقراطي الأميركي نموذجاً على تغيير السلطة من مافيا روسية إلى مافيا أميركية. في العراق، كانت الفكرة أن يتم الفصل بين الطوائف وخلق فدرالية طائفية. لكن هذا التقسيم أنتج حرباً طائفية لم تكن نتاج التطرف الديني، بل كانت نتيجة فرض نظام سياسي مبني على الصراع الطائفي شَجَّع ودَعَمَ التطرف والاقتتال.
النظرة الأميركية للشرق الأوسط نظرة سطحية تعتمد على رؤية الصراع في المنطقة على أنه صراع إثنيات وقبائل وطوائف. وتظن أن أفضل طريقة للحكم هي بتقسيمه على هذا الشكل لتستطيع أن "تستفرد" بالقرار في وأن تحيّد المنظومات العقائدية الإسلامية، كالقاعدة وغيرها. وهي نفس الطريقة التي تعاملت بها الامبرياليات الغربية في أوائل القرن الماضي.
هذه النظرة المتصادمة، أصلاً، مع الواقع لا تستطيع أن تتوقع التغيرات والتقسيمات الكثيرة ضمن المجتمعات الشرق أوسطية والعربية. فهذه المجتمعات لديها الكثير من التقسيمات الأخرى، حالها كأي مجتمع آخر، وتتنافس فيها التيارات السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، والتيارات الفكرية الدينية والعلمانية، بالإضافة إلى الصراع الطبقي الحاد أصلاً بسبب السياسيات الاقتصادية التي تعتمد على تدمير جميع المكتسبات التي حققتها الحركات العمالية في القرن الماضي.
القراءة العنصرية تلك للواقع في الشرق الأوسط هي السبب الأساسي لبداية انهيار المشروع الدمقرطة الأميركي في الشرق الأوسط، وفشل الدعاية الديمقراطية التي تصادمت مع واقع أكثر تطوراً من رؤيتها السطحية. فحتى أن أصبحت المنظمات الإسلامية هي التي تنتج المؤشرات الديمقراطية مما ساعدها في الصعود إلى قيادة الحالات الاعتراضية المطالبة بالديمقراطية.
من يقول أن الولايات المتحدة هي التي جاءت بالديمقراطية إلى المنطقة، يتناسى أن الولايات المتحدة لم تنتج في هذه البلاد الموجودة تحت سيطرتها أي نظام ديمقراطي حتى الآن، بل إن النظم الديمقراطية الموجودة منها يتم تدميرها من قبل السلطات الموالية للإدارة الأميركية وتستبدل بديكتاتوريات قمعية مجرمة كالموجودة في مصر والخليج العربي والأردن، وقد دعمت قمع النظام السوري طوال الفترة السابقة. وباعترافها، هي لا تريد تغيير النظام في سوريا بل تريده أكثر موالاةً لها.
ربما يكون الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة في العالم حيث للولايات المتحدة حكم عسكري وسياسي واقتصادي مباشر، من الخليج العربي، إلى الهند وباكستان إلى مصر والأردن والعراق.
ولكن ما علاقة هذا بلبنان؟
منذ بدأ تضعضع الإدارة الأميركية بفعل المعارضة الداخلية لسياستها في الشرق الأوسط، وبفعل اشتداد المقاومة في الشرق الأوسط والتواصل العضوي ما بين الصراع من اجل الديمقراطية والصراع ضد الامبريالية، وبفعل انهيار الأمثولات "الديمقراطية" التي أرادت الإدارة الأميركية بناءها، كان على الولايات المتحدة إيجاد ورقة رابحة لتخفيف الضغط عليها داخلياً وفي المنطقة، فكان اختيار لبنان. أرادت الاستفادة من النقمة الموجودة لدى غالبية اللبنانيين على الهيمنة السورية، فأصبح شعارها في لبنان أن أزمة الديمقراطية في لبنان هي فقط وجود الهيمنة السورية. هذا يتجاهل بشكل غبي ثقل النظام الطائفي في تعطيل النظام الديمقراطي وتسليمها الكلّي بأن الطائفية هي المحرك الأساسي للصراع في المنطقة.
لذا ازداد اهتمامها في لبنان منذ العام الماضي، فشكّل اغتيال الحريري الظروف المناسبة لانهيال التدخل الأميركي في لبنان، ودفعها نحو إنتاج نظام موال لها، وتم دعم حركة 14 آذار على أنها الثورة الديمقراطية في الشرق الأوسط والتي كان شكلها مماثل لما حصل في أوكرانيا.
يقول نيلز ليثام في "نيويورك بوست" أن السي. آي. أي. تعطي دعماً لوجستيا ومالياً للمظاهرات المعادية لسوريا، وذلك ضمن برنامج سري مشابه للبرنامج الموجود لدعم التحركات في أوكرانيا وجورجيا الذي أنتج أيضاً هذا الشكل من الاعتراضات "السلمية".
قد يظن البعض في لبنان، وخاصة من بقي ضمن مشروع 14 آذار انه يمكن الالتحاق بالمشروع الديمقراطي للولايات المتحدة وفك الارتباط عن ما يجري حوله. نلاحظ ذلك في مشروع "لبنان أولاً" ومحاولة فصل التغيّرات الداخلية عمّا يحصل في المنطقة. لكن هذا التوجه يتناقض مباشرةً مع واقع التواجد الجغرافي والسياسي المترابط مع التغيرات الحاصلة في المنطقة، من مقاومة وحروب، ومن الغباء القول أن فصل لبنان عما يحصل في المنطقة شيء ممكن. فذلك لا يمكن تحقيقه إلا إذا وضعوا كلّ مَن في لبنان في سجن حديدي ضخم، وقطعت عنهم وسائل الإعلام، ومنعوا من التنقل، وربما تم دفنهم جميعاً في مقابر جماعية.
اليوم، يجب أن نعمل على خطين، إنتاج حركة ديمقراطية ونضال مباشر ضد الامبريالية والرأسمالية، إذ إن لا إمكانية للأول دون الثاني ولا للثاني دون الأول. ترابطهما هو ترابط عضوي لأن من يوقف ومن يدمرّ التحركات الديمقراطية في المنطقة هو الدعم الأمريكي للأنظمة القمعية (الديكتاتورية والنيو-ديمقراطية).
في اللقاء الأخير بين بوش، والسنيورة قال بوش: "بيروت ستستعيد مركزها المالي، الاقتصادي والثقافي إن كان لبنان فعلاً حر، مستقل وديمقراطي". يبقى هنا السؤال ما هي الشروط الأميركية للحرية والاستقلالية والديمقراطية؟ ولقد رأينا أن هذه الحدود تنتهي عند خروج الإرادة الشعبية عن السياسات المرسومة من قبل الإدارة الأميركية كما حصل مع حماس في فلسطين.
هنا لا يسعنا استبعاد الشطر الاقتصادي للموضوع، إذ أن الهيمنة الأميركية مرتبطة بشكل مباشر مع خطط اقتصادية تتناسب مع وجهتها الاقتصادية الحمائية، والتي تهدف إلى السيطرة على أكبر عدد ممكن من الأسواق العالمية، وذلك من خلال سياسات البنك الدولي ومنظمة التجارة. ويدخل ذلك ضمن مشروع "القرن الأميركي الجديد" الذي يُنَظِّر له المحافظون الجدد في الولايات المتحدة.
صراعنا ضد الديكتاتوريات عليه أن يكون شاملاً وليكون شاملاً علينا أن نرى أن لا ترابط حقيقي بين المشروع الأميركي والديمقراطية في الشرق الأوسط، بل هناك ترابط ما بين الديكتاتوريات والإدارة الأميركية، وأن صراعنا ضد الديكتاتورية هو الصراع نفسه ضد الامبريالية في شكلها الاقتصادي والعسكري.
الحرب ليست إلا سلعة ضمن النظام الرأسمالي وهي دلالة على أزمة في الرأسمالية تتبلور في تكدّس الإنتاج والعجز عن تصريفه مما يستدعي التوجه إلى التسلح وشن الحروب وفتح الأسواق الجديدة بالقوة.

No comments: