Saturday, September 29, 2007

دروس من تموز

باسم شيت

مرّ عام على عدوان تموز؛ مرّ عام وكأنه بضعة أيام. كلنا نذكر الحرب إما بأجزائها الفردية والتجارب الشخصية أو في كلّيتها وتأثيرها على واقعنا اليوم. ليس بمقدرة أحد أن ينكر تأثير الحرب وقدرتها على إيقاف التاريخ. فما يأتي ما بعد الحرب تصنعه الأحداث التي تدير الحرب. اليوم نعيش امتداد عدوان تموز في واقعه الاقتصادي والسياسي، فما خلّفه من دمار وتهجير وفقر وبطالة وهجرة ليس ببعض الأرقام نقرأها في الصحف، بل هي نقاط ارتكاز واقعنا اليومي.

طائرات جيش الدفاع الإسرائيلي لم تكن تقصف المباني والطرقات في خصوصيتها الموضوعية، بل كانت تدمّر وتصنع حقائق اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتصقل ثقافة جديدة في المنطقة عامةً ولبنان خصوصاً. فتأثير الحرب، والحرب نفسها، لا يقاس في كمّية البنى التحتية والمباني المدمرة فقط، بل أيضاً في دلالتها السياسية والاقتصادية وتأثيرها في صناعة تاريخ المنطقة ولبنان.

إذاً، فالحرب، ولو كانت تحمل معادلة بسيطة في تجريدها للواقع ووضعه في قالب صدامي مباشر، لا تقتصر فقط على الأسلحة، بل تعتمد وبشكل أساسي على الصراع السياسي والإعلامي والاقتصادي والشعبي الذي يواكبها.

لم يكن باستطاعة جيش الدفاع الإسرائيلي خوض الحرب من دون عناصر ذلك الجيش. ولم يكن بإمكانه قصف أي شيء من دون أن تكون لديه أسلحة وطائرات ودبابات. ولم يكن لينفذ أي عملية حربية من دون رأسمال ومساعدات وتمويل. فالحرب حين تُجََرّد إلى شكلها العسكري البحت، تصبح خاوية من المعنى، أو، كما يسميها البعض، "عبثية". ولكن، من أهم ما علينا الانتباه له هو أن لا رأسمال ولا جنود ولا طائرات أو دبابات تأتي من منطلق عبثي، بل هي تأتي في إطار صراع سياسي واقتصادي ولترجمة هكذا صراع عندما يستحيل حسمه من دون اللجوء إلى العنف.

الحرب هي حالة سياسية بامتياز، فلا يمكن هنا الهروب من واقعها السياسي لوضعها ضمن قالب إنساني بحت. فوراء الإنسانية يقبع صراعٌ فُتِحَ على كل الجبهات. ونحن لا يمكن لنا أن نُخرج الرصاصة من الجسم قبل الاعتراف أولاً بأن هناك رصاصة. الإنسانية هي أن ننظر إلى المأساة ومسبباتها، وليس بكونها نتيجة طبيعية للحياة. فعندما يُقتل الناس هناك من يقتلهم، وعندما يُهجر مئات الألوف هناك من يدفعهم إلى الهجرة والنزوح، وعندما يَفقد إنسان عمله هناك من يطرده من العمل.

في الحروب، المعادلة واضحة. هناك سلطة ما أو جيش ما قرر الاعتداء على دولة أو شعب ما. هناك دبابات تقصف وطائرات تدمر. وهناك من يقاوم العدوان ويتصدى له. السؤال هنا بسيط جداً، أنت مع من؟ مع من يقصف ويدمر ويقتل الناس أو مع من يتصدى للعدوان؟ والانحياز لا يلغي حق النقد، فالدعم ليس مشروطاً بالنقد، بل إن النقد هو نتيجة للدعم. وعدم الانحياز هنا هو فعل غير إنساني، لأن كل من يسعى إلى ادعاء الموضوعية يكون قد أسقط، موضوعياً، كونه إنساناً.

هذا هو الامتحان الأول الذي سقطت فيه السلطة اللبنانية. فكانت، منذ اليوم الأول من الحرب تساند، في خطابها السياسي، العدوان الإسرائيلي متهمة المقاومة بأنها هي من أعلنت الحرب على إسرائيل!

التأكيد على هذا الموقف السياسي لم يأت من لبنان بل من إسرائيل التي دعمت الحكومة اللبنانية وبعض الشخصيات البارزة في قوى 14 آذار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل جاهرت الحكومة بذلك، وعلى رأسها فؤاد السنيورة، من خلال لقائها "كوندليزا رايس"، بينما يقصف الطيران الإسرائيلي لبنان بقنابل وقذائف صنعّت أميركياً.

أداء الحكومة لم يقتصر على السياسة الفيشية (نسبة إلى حكومة فرنسا العميلة للنازية إبّان الحرب العالمية الثانية) خلال تمّوز وآب 2006، بل تطوّر ليعاقب النازحين والمواطنين بقطع الإغاثة عنهم، آملاً بأن ينقلب الشارع على المقاومة. وهذه السياسة ليست إلا تطبيقاً واضحاً وصريحاً لسياسة الحرب الإسرائيلية التي تتمثل بشكل بسيط في محاصرة المدنيين وجعلهم رهائن، ثم البدء بتصفية الرهائن، واحدة تلو الأخرى، إلى أن ينقلب الشارع على المقاومة ويقف ضدها.

ولكن، لماذا فشلت الخطة؟ المراهنة الإسرائيلية ومراهنة السلطة على انقلاب الشارع ضدّ المقاومة يعتمد بشكل أساسي على اعتقاد خاطئ بأن الانقسام الطبيعي في الشارع اللبناني هو انقسام طائفي وكون حزب الله حزباً شيعياً.

تقرأ السلطة حزب الله وكأنه حزب يقتصر في سياسته وجمهوره على الطائفة الشيعية، ومن هنا فإن اللهجة السياسية تكمن أساساًً في اختزال حرب الصيف الماضي إلى صراع ثنائي بين الطائفة الشيعية والسلطة الإسرائيلية. هذا هو المنطق ذاته الذي اتبعته السلطة الإسرائيلية في حربها على لبنان.

ولكن المشكلة في هذه المراهنة هي أن حزب الله لم يعد الحزب نفسه الذي نشأ في الثمانينيات من القرن الماضي. فهو، خاصة منذ التسعينيات، يصارع للتأقلم مع المجتمع اللبناني، وهو يتغير بنفسه ويفرض تغييراً في قاعدته الحزبية. هذا ما أدى إلى أن يهجّن الحزب نفسه للتأقلم مع النسيج السياسي اللبناني.

حزب الله وخصوصيته الطائفية

نشوء حزب الله لم يكن ضرباً عبثياً في تاريخ لبنان، بل كان استجابة لواقع الثمانينيات من القرن الماضي. فمع نجاح الثورة الإسلامية في إيران وتراجع الحركة اليسارية والثورية في المنطقة العربية واضمحلال الحركة القومية، كان صعود التيارات الإسلامية هو الحدث الأبرز في الساحة السياسية الشرق أوسطية والعربية، خاصة بعد أن أعلن اليسار الستاليني نهايته عندما توقّف عن الحراك الفكري والسياسي مع اندثار تجربة الاتحاد السوفياتي، وحيث لم تستطع أي من الأممية الرابعة (التروتسكية) أو التيار الستاليني الإجابة عن الأسباب التي أدت إلى سقوط تلك التجربة.

أما في خصوصية حزب الله اللبنانية، فإن العامل الأساسي الذي أدى إلى صعود الحزب نتج عن خاصية تاريخية في لبنان وعن أسباب مباشرة. الواقع التاريخي هو أن الشيعة في لبنان كانوا من الفئات المجتمعية الأكثر حرماناً. وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك وجود للثروة عند الشيعة، بل كانت هناك طبقة من العائلات الغنية وملاّكي الأراضي. ولكن، مقارنة مع الطوائف الأخرى، كانت الأغلبية الساحقة من الفلاحين والعمّال في القطاعات النامية من الاقتصاد اللبناني.

بالإضافة إلى ذلك كان سعي الانتداب الفرنسي لمحاصرة الطبقة الوسطى من خلال تقسيم القيادة السياسية ما بين الموارنة والسنة والدروز. ففي عهد الاستقلال كانت المناصب العليا في الدولة تقسّم ما بين 40% للموارنة، 27% للسنّة و3،2% فقط للشيعة (A N Hamzeh, In the Path of the Hizbullah (Syracuse University Press, 2004). وهذا الواقع بقي على حاله حتى اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في شكلها العسكري.

هذه الحقائق التاريخية وما ذكر سابقاً من اندثار للحركات القومية واليسارية في المنطقة وصعود الحركات الإسلامية، كلّها شكّلت الظروف التاريخية، لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82، كان السبب المباشر في انطلاقة حزب الله كتيار إسلامي مقاوم للاحتلال.

لكن الظروف التي نشأ فيها حزب الله تغيّرت وفرضت عليه تغيّراً في قاعدته وتوجهه السياسي العام. تخلّى الحزب عن هدفه في إنشاء دولة إسلامية كهدف مباشر ووضعه في سياق تاريخي. وهو يبرر هذا التغيير كون الدولة الإسلامية لا تستطيع أن تنشأ من خلال فرضها بالقوة من قبل فئة ما على فئة أخرى، وكون الشيعة لا يزالون أقلية في لبنان وإن كانوا أكبر أقلية. أصبحت شروط نشوء الدولة الإسلامية بالنسبة لحزب الله نتيجة للخيار الحر والمباشر للأغلبية المطلقة في الشارع اللبناني. أي أن المسألة هنا لم تعد خياراً سياسياً آنياً بل أصبح سؤالاً يُطرح في السياق التاريخي، أي عندما يصبح خيار الدولة الإسلامية هو الخيار المباشر لأغلبية الشارع اللبناني!

هذا لا يعني أن حزب الله تحوّل إلى تنظيم ليبرالي أو غير إسلامي. ففي الضاحية الجنوبية والقرى الواقعة تحت تأثير الحزب مباشرة، يُمنع مثلاً أي محل من بيع الكحول، ونعطي هذا المثل كدلالة بسيطة على التزام الحزب بالشريعة الإسلامية، وكذلك مسألة الحجاب ما تزال أساسية لدى الحزب، وتلفزيون المنار هو أكبر دليل على ذلك.

ما جعل الحزب يعيش هذا التناقض هو أولاً دوره في المقاومة وثانياً واقع لبنان المختلط وتغيّر واقع المجتمع اللبناني بعد الحرب. دوره في المقاومة وضعه في قالب قومي وواقع مسار تحرر وطني لم يكن هو مَن بدأه. لكن إرث التحرر الوطني في المنطقة العربية، زيادة على حقيقة الاحتلال الإسرائيلي وانكفاء اليسار عن المقاومة ضد الاحتلال، وضعوا الحزب في خانة المقاومة الوطنية. هذا بالإضافة إلى حاجة السلطة لتبرر تهربها من المقاومة بتبني حزب الله كالمقاوم الوطني الذي يقاوم باسم السلطة نفسها.

كل هذه الأسباب وضعت الحزب في دوره المقاوم خارج الفلك الشيعي خاصة وأن حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي كانت قد فشلت في تحقيق الانتصارات الكبيرة، بينما تمكّن الحزب من صنع انتصارات مهمة على الجيش الإسرائيلي، ما أعطاه بعداً عربياً ولبنانياً أكبر من محيطه.

هذا الدور أنتج تناقضاً أساسياً في خطابه السياسي الذي تبنّى ذلك التفويض الذي يحميه سياسياً على المستوى الداخلي والعربي ويجعل من خطابه السياسي أكثر ملاءمة للساحة السياسية المحلية فأصبح يخاطب جمهوراً أوسع.

الدليل الأساسي على هذه المكانة لحزب الله هو تحالفه مع التيار الوطني الحر، الترجمة أو الاعتراف الأساسي بلبنانية مكانته السياسية، وإن كان طرحه يتعدى المقاومة في نطاقها اللبناني إلى حركة تمتد في الشرق الأوسط والعالم.

كما فرضت حركات المقاومة ومناهضة الحرب حول العالم على حزب الله انفتاحاً سياسياً وفكرياً ورؤية أشمل لحركة المقاومة. فكلنا يذكر عندما قام نصر الله بدعوة الأخوّة إلى "شافيز" الذي يمثّل طابعاً مختلفاً في المقاومة. هذا الأمر جعل من حزب الله ذا مكانة إسلامية في واقعه الداخلي والتنظيمي ومكانة شعبية في إضفاء طابع الانتصار على تاريخ النكسات العربية وبعث الروح في حركة مناهضة الإمبريالية.

لكن هذا التناقض لم يجعل من حزب حزباً ثورياً. أصبح لدوره دلالة تقدمية، ولكنه لم يستطع بعد بلورة دور ثوري له، ومن المرجّح أنه غير قادر على ذلك بسبب التناقضات التي تحكمه؛ ما بين تنظيمه الداخلي وقاعدته المرتكزة فئوياً من جهة، وخطابه وواجهته السياسية العامة. بما معناه أن تحوّل الحزب إلى حزب عابر للطوائف ذو مشروع ثوري يعني أنه عندها سينتهي عن كونه حركة شيعية تستمد قوّتها من الحراك الفكري والديني الشيعي.

المهم هنا هو أن الحزب لم يعد ذو دلالة شيعية فقط ليمكن تأليب الشارع ضده طائفياً. هذه المراهنة أثبتت أنها فاشلة من أساسها.

لماذا لم يقع الانقسام الطائفي؟

الطائفية ليست تعبيراً لكره الناس لبعضهم البعض بل هي في شكلها المجرد نظام يعطي امتيازات لفئة على أخرى. لكن الحرب الأهلية دفعت بكمّ كبير، إن لم يكن أغلبية الشعب، إلى الفقر والحرمان وألغت مفاعيل النظام الطائفي. الجوع لم يفرق بين مسيحي ومسلم، مما جعل الانقسام الأساسي في المجتمع انقساماً طبقياً وليس انقساماً طائفياً.

هذه هي الأسباب الأساسية التي تمنع الخطاب الطائفي من جعل الانقسام الأساسي طائفياً. السبب الآخر، والمساهمة الأكبر في صياغة الانقسام الطبقي وغَلَبَته على الانقسام الطائفي، هو السياسات النيوليبرالية لحكومات الحريري المتتالية بعد اتفاق الطائف. هذه السياسات، من ضرائب على القيمة المضافة وتثبيت الحد الأدنى للأجور وكذلك مسيرة إعمار "سوليدير" هي التي وسّعت الهوة بين الفقراء والأغنياء.
قد يتباهى بعض مبشّري النيوليبرالية أن مسيرة الإعمار كانت الأهم في بناء مجتمع السلم في لبنان، ولكنهم يتناسون تأثير هذه السياسة على غالبية السكان. "سوليدير" بوجودها كمدينة مال أو كمركز للرأسمال أدت إلى رفع الأسعار في بيروت بشكل عام، مما دفع الكثيرين خارج المدينة ونحو الضواحي. ومع اشتداد أزمة السكن، أدّت أيضاً إلى تحوّل عدد من المناطق إلى مناطق مختلطة طائفياً وإن بنسب ضئيلة، كما خلقت علاقات ومصالح اقتصادية مباشرة تتعدى مفاعيل النظام الطائفي. أمّا اختلاط أماكن العمل، فقد ساهم في تظهير صراع يعتمد أساساً على مصالح طبقية تطغى على المصالح الطائفية.

لكن قصور اليسار عن ترجمة ذلك وعن بناء حركة عمّالية تستطع خرق النمطية الطائفية لنظام انتهت مسوّغاته وجذوره الاجتماعية والاقتصادية، هو الذي منع هكذا انقسام طبقي من أن يتبلور في حركة تؤسس لصراع سياسي مباشر ضد النظام والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية.

ومن أكبر البراهين على القصور كانت تظاهرة 10 أيار 2006، التي حشدت جمهوراً لا مثيل له على مستوى التحركات المطلبية. كان يمكن لليسار البناء على التحرك لمقاومة باريس 3 وسياساتها الاقتصادية في حركة تستطيع انتشال الشارع من مفاعيل النظام الطائفي وأسياد النظام الطائفي.

هنا، بدل أن يكون فاعلاً في الدفع نحو صراع سياسي ذو امتداد طبقي عمّالي، بدا اليسار وكأنه ينتظر الشارع "ليستقيم" عن الواقع الطائفي نحو الصراع الطبقي ومن ثم يتدخلّ. العقلية السائدة لدى اليسار التقليدي هي عقلية قيادية فوقية لا تنظر إلى قواعد الحركة وتقف في وجه بناء قيادة سياسية ديمقراطية للصراع الطبقي. وهنا، فإن انتفاضة الشارع غير المعلنة ضد الطائفية لم يتم اقتناصها أو البناء عليها. والمشكلة أن الهمّ الأساسي لدى اليسار هو بناء الدولة وأجهزتها أكثر من همّ بناء الحركة!

ولكن مع ذلك لم تكن هذه الانتفاضة عبثاً، بل تبلورت في حرب تموز. إن شعور التضامن الشعبي مع ضحايا العدوان الإسرائيلي يبرهن عن شعور عارم مناهض للطائفية. هذا الشعور العارم لم يكن نتاج الحرب نفسها بل شكّلت الحرب الظرف المناسبة لترجمته بالوحدة في النضال ضد العدوان.

هذه الوحدة لم تكن أبداً نتيجة لسياسات 14 آذار بل كانت رداً عليها، والبرهان هو الحشد الجماهيري للمعارضة بعد الانتصار. الحشد كان نتاجاً لحركة التضامن الشعبي في الحرب وكان ردة فعل مباشرة ضد سياسات الحكومة الاقتصادية والسياسية التي تجلّت في أوضح صورها خلال الحرب واستخدام المساعدات (أي الحدّ الأدنى للحياة) كورقة سياسية. ومن يعتقد عكس ذلك كان عليه أن ينزل إلى الشارع ويقرأ الشعارات التي رُفعت في تظاهرات كانون الأوّل 2006 ليرى مدى انتشار الخطاب الطبقي وإن بشكل تأففي وطغيانه شعبياً على الموقف الرسمي للمعارضة.

خلال حرب تمّوز، راهنت إسرائيل على خلق انقسام طائفي يمكن أن يؤلّّب الشارع في لبنان ضد حزب الله ككيان شيعي. هذه الأطروحة لم تبدأ في حرب تموز بل قبل ذلك بسنة ونصف من خلال الخطاب العنصري والطائفي لقوى 14 آذار، إما من خلال استنهاض الهوية العربية ضد ما يسميه جنبلاط (الشركسي) بالهوية "الفارسية"، أو ما قيل ويقال ويكرَّر عن الامتداد الشيعي الذي يريد القضاء على السنّة.

كل هذه "الأجواء" كانت تنشرها قوى 14 آذار مدعومة من بعض المرتزقة من رجال الدين والفتاوى التي أطلقت أيضاً خلال عدوان تموز، ويعاد إطلاقها اليوم، انتقالاً إلى الخطاب العنصري الذي يصنّف من هو لبناني ومن هو ليس بلبناني حسب انتمائه الطائفي وحسب كينونته التاريخية في صناعة لبنان الحديث. ولكن مع سقوط هذا الخطاب أمام وقع الشارع، انتقل روّاد الحرية في 14 آذار إلى عنصرية طبقية مباشرة وإلى الحديث عن النوعية والكمّية ووصف المتظاهرين من المعارضة بالرعاع أو أنهم من "ريف دمشق" (الذي عمّر بيروت).

هذا الخطاب العنصري الطبقي فشل أيضاً في الفرز طائفي لأن واقع النسيج الاجتماعي الاقتصادي أصبح خارج نطاق التفرقة الطبقية-الطائفية التي اتصف به واقع ما قبل الحرب الأهلية.

كلّ ذلك أدى إلى فشل الخطة الإسرائيلية وخطة الحكومة اللبنانية المُلحَقة بها، وبرهن أن اللعب على التوازنات الطائفية لم ينجح في إعادة انقسام الشارع على جانبي الحدود الطائفية.

لكن حركة التضامن الشعبي أيضاً لم تكن ردة فعل عفوية، بل كان وراءها عدد كبير من الحركات الشبابية والعمّالية والحزبية التي أنتجت حالة تتخطى الشعور العام إلى فعل التضامن الشعبي المباشر. وربما كان المثل الأوضح في الساحة السياسية العامة واليسار خاصة، هو حملة "صامدون" للإغاثة.

حملة صامدون

في 12 تموز 2006، تجمّع عدد من الناشطين في وسط بيروت على الرصيف المحاذي لمبنى السيتي سنتر، وبدأوا بتركيب الشوادر وأجهزة الصوت وافتراش الرصيف تحضيراً لاعتصام مفتوح، احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتضامناً مع الشعب الفلسطيني ودعماً لمقاومته ضد الاحتلال.

كان اختيار المكان والاسم امتداداً لتراث يعود إلى بضعة سنوات كانت إحدى محطاته الاعتصام المفتوح عام 2002 ضد حصار رام الله الذي احتلّ الساحة السياسية المحلية وكان محوراً أساسياً وركيزة في بناء حركة مناهضة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وركيزة في بناء اليسار كما نعرفه اليوم وركيزة أيضاً في بناء حركة مناهضة الحرب على العراق في العام 2003. الاعتصام المفتوح شكّل نمطاً جديداً في صناعة الحركات السياسية الشعبية وفي بناء حركة قاعدية تنظّم نفسها بنفسها وتسعى لفرض نفسها على الساحة السياسية بدل أن تلتحق بها.

وكذلك كانت حملة "لا للحرب لا للديكتاتوريات" التي تلت الاعتصام المفتوح والتي شكّلت الخطاب الأقوى سياسياً في صياغة مفاهيم المقاومة المدنية للحرب والاحتلال، وفرضت نفسها على الشارع اللبناني والعربي كحركة أساسية ومركزية في التيار المناهض للحرب. وكان الخطاب الأساسي الذي تحمله هو أن الصراع ضد الإمبريالية هو الصراع ضد الأنظمة الديكتاتورية التي تحكم المنطقة. اليوم، يبدو المشهد السياسي العام أوضح، خاصة بتحالف الطبقة الحاكمة العربية مع الإمبريالية، وهذا ما عبرت عنه حينها حملة "لا للحرب لا للديكتاتوريات".

حملة "صامدون" لا يمكن أن تنفصل في معناها وفي بنائها عن ذلك التراث. الأهمية الأكبر لصامدون هي أنها استطاعت تنظيم نفسها في ظل أصعب الظروف، ومن اليوم الأول للعدوان.

تحوَّل "الاعتصام المفتوح دعماً للشعب الفلسطيني في غزّة" إلى نقطة معلومات في وسط بيروت لتحويل النازحين إلى المدارس والملاجئ وأماكن التجمع. وفي نفس الوقت، كان يتم بناء الخطاب السياسي للحملة الذي يدعو إلى الدعم غير المشروط للمقاومة، ولكن نقدي، وذلك ضمن إستراتيجية سياسية لبناء "صامدون" كحملة دعم وتضامن شعبي تناصر المقاومة ضد العدوان من موقعها المقاوم، وإن بشكل مدني وشعبي وغير مسلّح. وضمن هذا المسار، استطاعت "صامدون"، والتي كانت تعرف حينذاك بـ"مركز الصنائع للإغاثة" أن تتحول من حركة تضم حوالي الثلاثين شخصاً إلى حملة تضم حوالي 600 ناشط وناشطة.

الخطاب السياسي الذي اعتمدته "صامدون" هو تأكيدها أن دعم المقاومة في حربها ضد الاحتلال يبدأ بتشكيل شبكة تضامن شعبي وبمناهضة سياسات السلطة والحكومة التي كانت مناصرة للعدوان ومعادية للشعب. هذا هو الخطاب الذي مكّنها من حشد الدعم للمقاومة وأيضاً من أن تفرض نفسها في الموقف السياسي وأن تطغى في حركيّتها على الشارع، وإن ظلّ هذا مقتصراً على بيروت. تمكّنت "صامدون" من ترجمة شعور التضامن وواقع المجتمع اللبناني بعد الحرب الأهلية (لا بناءً على ما كان عليه في 1975) إلى حركة فعلية استطاعت أن تحمي ظهر المقاومة في صراعها ضد العدوان.

إن بناء حركة تضامن شعبي لا يأتي من خلال فعل الإغاثة البحت. الإغاثة كانت ضرورية ولكنها إن اقتصرت فقط على الخدمة الإنسانية، فهي تفقد وقعها في المجتمع وقدرة الحركة على فرض نفسها على الساحة السياسية. هنا كانت أهمية الخطاب السياسي الواضح والاستقطاب السياسي وليس الإنساني البحت، وإن كان الدافع المباشر دافعاً إنسانياً. فالحملة في كيانها وتنظيمها شكّلت دافعاً أساسياً يضغط على المجتمع لأن يأخذ خيار التضامن بشكل فعلي ويترجمه من الشكل الإنساني البحت إلى شكله السياسي التغييري.

أمّا التضامن كفعل واقعي، فيعتمد بشكل أساسي على كيفية تنظيم الدعم هذا وتأطيره. هنا تكون مسألة التعاضد الطبقي هي أساس إنشاء الدعم الشعبي. لم يكن الأغنياء هم من فتحوا أبوابهم أمام النازحين، هم الذين أغلقوها بوجههم كما فعلت "سوليدير" والفنادق الفخمة، بل كان التضامن من الناس العاديين مثل النازحين أنفسهم. هنا يكمن قلب الحركة. فهذا التعاضد هو الذي مكّن الحملة من أن تجد في الناس حليفاً لها وجزئاً مكوّنا منها، لا باعتبارهم "فئة مستفيدة" أو "مجموعات مُستهدفة".

تمويل "صامدون" اعتمد بشكل عام على التمويل الشعبي. تم جمع الأموال من خلال آلاف التبرعات الصغيرة. وهنا يقاس التمويل بالمشاركين فيه، لا في كميته. حجم المشاركة هو ما يشكل حجم الالتزام في عملية التضامن.

وكما ذكرنا سابقاً، فالحملة بدأت باعتصام مفتوح، وتحوّلت تدريجياً وبشكل سريع إلى حملة شعبية تضم حوالي الـ600 ناشط ويصل جمهورها إلى الآلاف. لكن المفارقة هنا أن حوالي 60% من المتطوعين في الحملة كانوا من العمال (راجع الدراسة حول تكوين "صامدون" على موقع الحملة www.samidoun.org). قدرتها التنظيمية والسرعة في التحرك اعتمدت بشكل أساسي على قدرة العمال على تنظيم العمل، فتناقلت خبراتهم لتشكل الدافع الأساسي في التنظيم، أي تنظيم آليات العمل لتتناسب مع ضرورات الحملة.

كان التنظيم مركزياً قاعدياً، والعمل أو التطبيق لا مركزياً قاعدياً، ومن هنا استطاعت الحملة التخلص من آفات البيروقراطية الرثّة وأن تستجيب بسرعة للواقع التي تتعامل معه.

هكذا حملات وشبكات التضامن والدعم، هي التي أسّست لحماية المقاومة داخلياً لتتمكن من ربح المعركة عسكرياً. وحشد الدعم للمقاومة في ظل هذه الظروف كان من الأسباب الرئيسية التي مكّنت المقاومة من الانتصار على العدوان وفرض هزيمة عسكرية وسياسية على إسرائيل وإفشال خطّتها. هذا الدعم الشعبي أيضاً هو الذي فرض على السلطة اللبنانية هزيمة أخرى، وهو هزيمة ثقافة الخنوع والخضوع للإمبريالية ولمسار السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

صامدون كانت مثلاً جدياً وممكناً على قدرة اليسار في البناء والتنظيم وفي طرح شكل تقدمية وأكثر قاعدية في بناء الحركة. الخطاب السياسي والشكل التنظيمي للحركة بُنيَ بفعل الحراك السياسي والتنظيمي والعملي للحركة نفسها، أي بفعل الناس أنفسهم. ومن خلال عملية البناء القاعدية هذه، استطاع اليسار المتواجد ضمن الحركة من أن يؤسس ويدفع في عملية تحرّر وعملية صياغة كوادر جديدة أتت من الحركة ذاتها. هذه هي عملية الإقناع، وأساسها أن تبدأ من القاعدة نفسها وأن لا تكون حكراً على القيادات.

عندما بدأت "صامدون" كانت إطاراً يجمع بين منظمات مختلفة، من مؤسسات مجتمع مدني ومجموعات سياسية ومجموعات ونواد طلابية. كان هذا نافعاً في الأيام الأولى للحملة، ولكن، مع ازدياد عدد الأعضاء والمتطوعين، أصبح الثقل الذي تمثله المنظمات أقل بكثير من الثقل الذي يمثله المتطوعون والناشطون الجدد. فرض هذا تغييراً في الشكل التنظيمي والإداري والعملي للحملة. فلا يمكن ولا يحق للمنظمات أن تأخذ قراراً وأن تفرضه على الناشطين والمتطوعين، بل كان عليها أن تقنعهم بما تعتقد أنه مناسباً، فالمتطوّعون وحدهم يملكون القرار العملي والتنظيمي، لأنهم هم من يقوم بالعمل. المسألة هذه أساسية في قراءة الحركات القاعدية، إذ أنه مع تطور الحركة، يتطور الشكل التنظيمي، فإن تأخّر عن التطور فشلت الحركة وفقدت سرعتها في الرد وأضاعت حركيّتها السياسية والتنظيمية.

لذا، كان من الضروري أن يستلم الناشطون المنضمون حديثاً زمام الأمور في الحملة، شيئاً فشيئاً. هذا لا يعني أن تنسحب التنظيمات أو كوادرها من مكانها، ولكن يصبح على المنظّمين والناشطين في تلك التنظيمات العمل على بناء كوادر جديدة من خلال الحملة ودفع المتطوعين إلى استلام المسؤوليات. هذا أيضاً لا يعني أن يتنحّى الناس عن مواقع تنظيمية ينشطون من خلالها، لكن عليهم الحرص دائماً وبشكل واضح أن يكون رفاقهم في الإطار العملي (الحملة) موافقين على استلامهم لتلك المواقع الإدارية.

هذا النمط هو الذي يمكّن الحركة من الانتقال من حملة وتحالف بين بضعة أطراف إلى تكون حملة شعبية تعتمد على حركة الناس في عملية بنائها وليس على ما تعلمته في ورشات العمل التي تبشّر بالتشارك على أنّه مسار للعصف الذهني لا لاتخاذ القرار. التشارك يبدأ أولاً ببناء قدرة الحملة في ثقلها البشري لتستلم زمام الأمور تنظيمياً وعملياً، أي أن تكون هي قاعدة اتخاذ القرار، وليست قاعدة استشارية.

وهنا أهمية الوضوح السياسي والوضوح في الهوية. مفاهيم المجتمع المدني تُعلّمنا أن نمتثل بـ"الثقافة المحلية"، أي أن لا نُبرز هويتنا الفعلية المركّبة. المشكلة هنا تقبع أولاً في الكذب وإباحته، والمشكلة الثانية تقوم على أن هذا المنطق ينمّط الناس أولاً على أنهم غير مستعدين وليس بإمكانهم تقبّل حركة هويتها يسارية، مختلطة ومتنوّعة، وتمتد أفكارها ما بين التحرر الجنسي والتحرر في نطاقيه الطبقي والسياسي.

تجربة "صامدون" أثبتت العكس. المشكلة ليست في الناس ومدى تقبلهم للحركة، بل هي في طريقة تعامل الحركة مع الناس أنفسهم. فهل تعتبرهم "فئة اجتماعية" منفصلة ؟ بناء الحركة نفسها بين الناس ومن خلالهم يؤدّي إلى عملية صدام اجتماعي لا يأخذ شكل النفور، إذ إنها تقف مع الناس، إلى جانبهم، تساندهم، وهي منهم. تسقط الحجة هنا حول عدم "تقبّل" المجتمع للحركة، إذ تصبح جزءاً منه. الصدام هنا ليس تدميرياً، بل هو يتحول إلى عنصر تغييري في المجتمع، إذ يكسب الثقة بفعل التضامن قبل التصادم، فيكون التصادم ذا منحى إيجابياً في عملية التفاعل والتغيير.

الخوف من التغيير

كان باستطاعة هذا الشكل التنظيمي التأثير بشكل فعّال في بناء حركة تضامن فعلية وتعميم المقاومة شعبياً في شكلها المدني والسياسي. ولكن ما فعله اليسار التقليدي حينذاك و"ممثلو" المقاومة الرسميين كان الاستهتار بهذه الحركة ومحاولة مصادرتها. المثل الأوضح لتلك المحاولة هو مؤتمر بيروت الداعم للمقاومة، والذي بدل أن يكون ركناً في بناء الحركة وتطويرها وتوسيع قاعدتها الشعبية، جاء ليعلن نهايتها.

المؤتمر كان مهرجاناً خطابياً من دون أي دلالات سياسية أو تواصل مع الشارع. أُسقط المؤتمر على واقع الحركة فكان غريباً عن فعل التضامن وخارج مسار الحركة ولم يكن نتاجها. وهذه المشكلة الأساسية لفشله، إذ لا أحد يتكلم عن نجاحه.

كان لا بد حينها أن يكون المؤتمر مساحة تسعى الحركة التي نشأت بلورة أفكارها وتجديد خطابها السياسي من خلاله، وأن تتمكن من بناء حركة أكثر رصانة في التنظيم والخطاب السياسي والفعل التضامني. إن أي حركة هي في فعل تطورها اليومي، وخاصة في أوقات الحروب، بحاجة إلى التوقف في يوم ما للتفكير والتقييم وإعادة التنظيم ليتناسب مع الواقع المتغيّر. هذا أمر ضروري لإعادة إحياء الحركية السياسية في داخلها ومن ثم الدفع إلى حركية فكرية حتى تستطيع أن تتبلور وتتموضع ضمن الساحة السياسية وتركّز نفسها وتفرض وجودها على الواقع السياسي محلياً وإقليمياً وعالمياً.

لكن اليسار التقليدي و"رموز" المقاومة كانوا مهتمّين أكثر في استذكار دورهم في حركة التضامن في الثمانينيات من دون النظر إلى الحاضر وحركاته التضامنية. كان اهتمامهم أكثر أن يقولوا إننا "كنّا" في المقاومة، بدل أن ينخرطوا في الحركة الجديدة التي تألّفت إثر عدوان فعلي على لبنان. كان يهمّهم أكثر القول إننا انتصرنا "في الماضي"، بدل الانخراط في انتصار اليوم. هذه الطريقة في التعامل مع الحركات الناشئة أدّت إلى إفقاد الحركة العامة قدرتها على التموضع والتنظيم.

بناء الحركة وبناء المقاومة

إن بناء حركة المقاومة يبدأ أولاً من خلال المقاومة اليومية للناس العاديين ومقاومة العمال للواقع الذي يعيشونه. فعلى عملية البناء أن تراكم التجارب وأن تقاوم من واقعها اليومي ومن بين الناس أنفسهم.

يقول ماركس "إن تحرر الطبقة العاملة، هو نتاج الطبقة العاملة نفسها". لقد نسي الكثيرون في اليسار ما تعنيه هذه المقولة. بناء الحركة لا يمكن أن يكون فعلاً إسقاطياً في المنطق ولا في المسار ولا في الخطاب، بل إن عملية البناء تبدأ أولاً بلملمة تجارب الناس والعمّال في واقعهم اليومي، تبدأ بإنشاء شبكات تضامن بين الناس والعمال، تستطيع من خلالها أن تتشارك في الأفكار وبناء النضال من الخصوصيات اليومية وصولاً إلى الأهداف التاريخية المشتركة. هذه هي العلاقة العضوية بين الأهداف المباشرة للحركة وأهدافها التاريخية.

النضال يبدأ بقراءتنا للواقع كما هو والعمل ضمن التناقضات لتبيان فشل وعدم قدرة النظام على تلبية حاجات الناس وعدم قدرته على إنهاء الاستغلال والقمع. هنا نبدأ ببناء الخطاب السياسي؛ ننطلق من الواقع لإقناع الناس في البناء من أجل التغيير المباشر. يصبح الخطاب نتيجة لحركية الناس العاديين والعمال والطلاب من ضمن الحركة. فالتراكم ليس عملية في البناء التنظيمي فقط، بل هو عملية في بناء الحركة نفسها، هو حركية عضوية تسعى إلى إقناع الناس بضرورة الانضمام إلى الحركة والنضال سوياً من أجل تحقيق التغيير.

مع السيرورة العملية والمسار السياسي الذي تقوده الحركة عبر حركية فكرية وسياسية وتنظيمية داخلية، يصبح الهدف التاريخي أكثر وضوحاً في شكله وفي تعبيره المباشر عن حاجة الحركة في التغيير. وأعود إلى ماركس وإلى صلب الديالكتيكية المادية؛ عملية التحرر هي نتاج للطبقة العاملة، ولكنها ليست نتاجاً طبيعياً للطبقة العاملة بل هي تنتج عنها في فعل نضالها ضد الطبقة الحاكمة. هي نتاج لعملية الصراع ولعملية البناء من ضمن الطبقة العاملة في آن واحد.

"إن الأفكار السائدة في المجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، وإن تحرر الطبقة العاملة هي نتاج للطبقة العاملة نفسها". التناقض هنا ليس موجوداً في رأس ماركس، بل هو تناقض في المجتمع والواقع نفسه الذي نعيشه. إن مهمة الحزب الثوري هي العمل ضمن هذا التناقض، أي البناء بفعل النضال الطبقي، وليس العمل على انتظار تأجج الصراع الطبقي من تلقاء نفسه، وليس أيضاً انتظار الطبقة العاملة لتحرر نفسها "عفوياً"، بل إن صلب التحرر هو انخراط الحزب عضوياً في الطبقة العاملة والعمل على تأجيج الصراع الطبقي والنضال، وفي نفس الوقت مراكمة الخبرات التي تنتج عن نضال الطبقة العاملة.

هذا التراكم هو صلب عملية التحرر. الثورة تصنعها الطبقة العاملة لا الحزب. دور الحزب يأتي في صياغة قيادة ثورية من خلال البناء داخل الطبقة العاملة من دون إسقاط القيادة عليها أو على حركة ناشئة. فعل الإسقاط بحد ذاته هو إنهاء للحركة وليس استكمالاً لها. يأتي ليدمّر ما بنته الحركة من قيادة وحركية ليستبدل بقيادة غريبة لا تستطيع أن تقتنع الحركة بها، تندثر الحركة وتُستبدل بالحزب.

هنا كان صلب النقاش في كيفية بناء حملة "صامدون"، فالكثير من التنظيمات سعت جدياً إلى أن تكون هي صاحبة القرار وأن يكون الثقل والجسم الأساسي للحملة المؤلف من المتطوعين هو المنفذ. هنا، كنا واضحين في أننا نرى أن بناء "صامدون" يبدأ أولاً من خلال تمكين الحملة من بناء نفسها، وأن يكون الجسم التقريري الذي له الأحقية الأولى في صناعة الحملة هو المتطوعين أنفسهم. كان على التنظيمات أن تنخرط في هذا الجسم وأن تبلور خطابها وطروحاتها من خلال الجسم، فتصبح المعركة ديمقراطية، أي مبنية على إقناع الأغلبية في الحملة بطروحات التنظيمات وليس إسقاط القرار على أغلبية الحملة.

هذا هو التراث، هذا هو المبدأ وهذا هو المسار الذي اتبعناه وهذا هو الفكر الذي نحمله وسنتابع به عملية بناء الحركة.

العودة إلى الشارع

نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى دفع عملية البناء إلى الخارج، إلى خارج قاعات الاجتماعات وإلى خارج الأطر الكلاسيكية. عملية البناء تبدأ بالتخاطب مع الناس في الشارع وليس في مراكز الحزب.

الحزب هو جامعة الحركة، هو المكان الذي تراكم وتحلل فيه التجارب، هو يشكل في عضويته تاريخ الحركة وإرثها الفكري والسياسي، ولذا على اليسار اليوم الخروج من قوقعته ومنطقه الدفاعي والأخلاقي وأن ينظر إلى الواقع كما هو، في سيرورة تغيّره وليس ككمّ غامض وجامد.

بناء المقاومة يسعى إلى الجمع ما بين عملية التحرير والتحرر في آن معاً. التحرر هنا لا يعني عملية صناعة الديمقراطية فقط، بل هو عملية في بناء منظومة ومشروع مقاومة على جميع الأصعدة من واقعها الطبقي والاقتصادي، إلى واقعها السياسي والاجتماعي، وخطّها التحريري. وكما يقول لينين "إن من يبني نصف ثورة فهو كمن يحفر قبرها".

إن الثورة شاملة، لذا فمشروع المقاومة هو مشروع شامل، وإن مساندة المقاومة أو الدفاع عن سلاحها لا يكون في الخطب والمسار السياسي البحت، بل يكمن في عملية بناء منظور أشمل ومقاومة أشمل. مقاومة ضد السياسات الاقتصادية، مقاومة ضد القمع والاستغلال، مقاومة ضد الاضطهاد الاجتماعي والعنصرية والتمييز، مقاومة ضد الاحتلال والديكتاتوريات. مقاومة الناس والعمال ضد جبروت رأس المال وما ينتجه من إمبريالية وحروب.

الحركات الإسلامية وحزب الله اليوم تمثلان خطّ المقاومة البديهي، وهي المقاومة العسكرية للاحتلال والعدوان، ولكنها لم تتمكّن ولن يكون بمقدرتها بناء مقاومة شاملة. هنا يكمن دور اليسار في بناء المقاومة في شموليتها وكلّيتها، من مقاومة عمالية ضد الفقر والاستغلال، ومن أجل الديمقراطية والتحرر الاجتماعي. هذه المسارات لا تنفصل عن بعضها البعض. اليوم المعركة واضحة، من جهة تحاول السلطة بناء نفسها مجدداً في "حرب على الإرهاب" صيغت أميركياً وتدعمها كل أنظمة القمع والاستغلال في المنطقة والعالم.

الوطنية هنا تصبح مساراً عنصرياً إذ إن واجب وموقع اليسار الطبيعي ليس في التهرّب من المعركة بل في خوضها ودعم ومساندة اللاجئين الفلسطينيين. لدى الجيش ما يكفيه من سلطة ومال ورأسمال يدعمه، وبدل أن تسقط قذائفه على رؤوس الجيش الإسرائيلي وعلى دباباته، ها هي تسقط على بيوت الناس والفقراء والعمال.

المعركة تبدأ بأن يقوم اليسار بالدفع نحو التحام الطبقة العاملة اللبنانية والطبقة العاملة الفلسطينية، وليس في التبجيل للجيش. إن عناصر الجيش هم من الطبقة العاملة، نعم، ولكن هذا لا يعني أن المؤسسة العسكرية تمثل المصالح الطبقية للطبقة العاملة، بل هي تمثل مصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة. وإن دعم عناصر الجيش في صراعهم الطبقي تبدأ بتحريضهم بالوقوف ضد قياداتهم وليس بدعم قيادتهم في حربها ضد إرهاب صنعته السلطة نفسها، فإن كانت بندقية الجنود هي بندقية تحرير وتحرر فعليها أن تُوجّه أولاً ضدّ السلطة.

اليوم، على اليسار أن يقرأ جيداً محاور الصراع الذي نخوضه، لا أن يستسلم للمواقف الوطنية الرثة. الوطنية تصبح جريمة عندما تُبنى من خلال حرب السلطة على الشعب والعمال. معركتنا اليوم هي كما كانت سابقاً هي معركة الطبقة العاملة في لبنان من اجل التحرير والتحرر، ومعركتها تبدأ أولاً في التحامها مع الطبقة العاملة الفلسطينية من أجل الحقوق المدنية والسياسية لنا جميعاً، هي معركة التحامها مع جميع العمال من أي جنسية كانوا من أجل النضال ضد القمع والاستغلال والاضطهاد، العمّال والعاملات من سوريا والسودان و سريلنكا ومصر...

معركتنا واحدة لأنا عدوّنا الطبقي واحد، معركتنا واحدة لأن الاستغلال والقمع لا يفرقان بين جنسية وأخرى. هدف الرأسمالية هو الربح، ولا يهمها إن كان المال يأتي من جيب لبناني أو فلسطيني أو أرمني أو إثيوبي أو مصري أو سوري...

لقد شهدنا مؤخراً كيف تتعامل الطبقة الحاكمة بعنصرية تامة ضد كل من يعترض طريقها، فكان الهجوم الأخير ضد الأرمن، وكما نقف وقفة تعاضد مع العمال، الأرمن نقف نفس الوقفة مع العمال الفلسطينيين والسوريين وجميع العمال.

إن كان اليسار ما زال يبحث عن الأممية فهي موجودة اليوم في لبنان، هناك عمال من جميع الجنسيات والأطياف. إن بناء الطبقة العاملة العالمية لا يبدأ بتحالفات برجوازية عالمية، بل بتحالفات عمالية طبقية، فلنبدأ اليوم بإنشاء تعاضد طبقي وصراع طبقي أممي ضد سياسات القمع والتجويع، ضد سياسات الحرمان والاستغلال.

الحرية تبدأ بالتحرر من المفاهيم والسياسات البرجوازية وليس باعتناقها. لقد برهن المنطق القومي/الوطني فشله في صناعة التغيير في لبنان، أو في صياغة التحرر. لكن ما هو ثابت أن الارتكاز الأول في صناعة التاريخ هو الصراع الطبقي، وقد وحان الوقت لأن نخرج من قوقعة المفاهيم البرجوازية العفنة والتوجه نحو الصراع وليس الهرب منه أو تهدئته. فالتاريخ تبنيه الشعوب لا الأنظمة.